بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الحمد لله والصلاة والسلام على اشرف خلق الله وعلى آله وصحبه ومن والاه..
النصيحة الأولى:
لمحدثي التفجيرات
إن مثل هذه الأحداث الفظيعة التي تتكرر بين الفينة والأخرى، وفي بلد ما من بلدان العالم، بتفاوتٍ في الحجم والكيف والكم، ينبغي التوقف عندها طويلاً للتأمل في حيثياتها وأبعادها، حتى نفهم الخلفيات والدوافع التي دفعت وتدفع الفاعلين إلى إحداثها بهذا النمط وبهذه الفظاعة، علنا نضع أُصبُعَنا على الجرح فيصيب الدواء الداء.
وانطلاقا من هنا ارتأينا مخاطبة عناصر هذا الحدث من حيث موقعنا في الإرشاد والإصلاح بمؤسسة الأسرة، وبعد أن مررنا نحن كمسلمين مقيمين في السويد بتجربة مماثلة من هذه التفجيرات بالعاصمة ستوكهولم، حيث منحنا أنفسنا حينها مهلة من الوقت لحين تجلى الأمور، وكذلك بعد أن اطّلعنا على مُعظم ما صدر من الفعاليات الرسمية منها وغير الرسمية، والتي نشرناها على موقعنا alusra.org، وجدنا أنفسنا اليوم أمام حدث مشابه يقع في بلد عزيز على قلوبنا من بلاد المغرب العربي ليضعنا على عتبات واجب النصح، لنتوجه بخطابنا إلى عناصر هذه النازلة وأمثالها، وبخاصة أنها الأولى من نوعها في السويد، والمتكررة في المغرب، ونرجوا عدم تكرارها في أي مكان من العالم.
فإلى المنظرين لهذه التفجيرات، وإلى الشباب المسلم المتأثر بهؤلاء نقول، رفقاً بالناس وبأنفسكم وبالإسلام، لعل العاطفة الدينية تسكن وبقدر كبير في ضمائركم، بالإضافة إلى ما لديكم من حُسن الغاية والهدف، ولهذا تندفعون وبقوة نحو هذه الوسيلة الخاطئة من أجل التضحية بأنفسكم للشهادة في سبيل الله، وإزهاق نفوس الآخرين، والذين تفترضون بأنهم العناصر المطلوبة للجاهد ضدهم في سبيل الله، أو بحسب فهمكم ضد حكوماتهم، إحراجاً لهم وتنكيلاً بهم.
إنه لأمر عظيم بلا شك لو أن ذلك حقاً من الجهاد في سبيل الله، فهو ذروة سنام الإسلام، ولستم بحاجة بالطبع لأمثالنا لتذكيركم ما للشهيد ولسبعين من أهل بيته من عظائم الأجور والنعيم الموفور، عند الله العزيز الغفور.
لكننا ما نود تذكيركم إياه في هذا المقام، هو ما يجب عليكم إتباعه للحصول على الفتوى الشرعية الصحيحة من مصدرها الصحيح، لتكون التضحية بالأرواح على الطريق الصحيح. إن هذه الأرواح أمانة عندكم استودعكم الله إياها سبحانه وتعالى، وهي عنده ذات قيمة عالية وواجب ابتداًء حفظها، حيث لا يحق لكائنٍ من كان إزهاقها وإزهاق غيرها من الأرواح، إلا بحكم جلي وواضح كل الوضوح، لا لبس فيه ولا أدنى شبهة تشوبه، وموثق كل التوثيق من أهله، ليكون في محله.
إن هذه الأرواح هي أرواح بشرية وليست بالرخيصة لهذه الدرجة لكي نستسهل إزهاقها وأخذ الفتوى بحقها، ممن نريد ونحب ونهوى، ومن حيث نشاء ونشتهي، فهذا مخالف لقول الله تعالى ( أن من قتل نفس بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً ) الآية 32 من المائدة. ولقوله تعالى (أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى 38 وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى 39 وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى 40 ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَ)النجم من الآية 38.
وروى الإمام البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:(إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[ قوله ( إن من ورطات ) بفتح الواو والراء, وحكى ابن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شيء لا ينجو منه, وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها. قوله ( سفك الدم ) أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان, لكن لما كان الأصل إراقة الدم عبر بقوله ( بغير حله ) في رواية أبي نعيم " بغير حقه " وهو موافق للفظ الآية, وهل الموقوف على ابن عمر منتزع من المرفوع فكأن ابن عمر فهم من كون القاتل لا يكون في فسحة أنه ورط نفسه فأهلكها ] فتح الباري 12/233-234.
ومن بين هذه الأرواح مسلمين، سوءا الذي فجر نفسه أو من بين عامة الناس المجاورين له، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/630 وقال عليه أفضل الصلاة والسلام (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم)رواه الترمذي وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/56.
فإذا كانت الأرواح بهذه الأهمية وبهذه القيمة عند الله جل جلاله، فلا بد إذاً من الدقة في التوثيق للفتوى الشرعية من مصدرها الصحيح قبل الإقدام على إزهاقها وإراقة الدماء، فهل لعاقل بعدها أن يتهاون ويتساهل في هذه المسائل الكبرى والمصيرية!!؟.
إن الأمر جلل وعظيم، ووجب عليكم التأني وعدم التعجل، بل اللجوء إلى الراسخين في العلم لهكذا أحكام وفتاوى عند المجامع الفقهية، فهم أهل التخصص وبالتالي أهل الاستنباط، وهم جمع الأمة ولعلكم تعلمون أن الأحكام الاجتهادية لها مستنبطيها، فإن أصابوا فلهم أجرين وإن أخطئوا فليس عليهم وزر ولا على من قلدهم، بل الأجر للطرفين، لأنهم أهل الذكر وأهل الاستنباط، أما من تركهم وقلد غيرهم فلوزر عندها على الطرفين.
فأخذُ الحُكم إذاً والفتوى في مثل هذا الأمر الجلل والعظيم، من غير المتخصصين والمستنبطين له، فيه مخالفة صريحة لأمر الله تعالى، واقرءوا إن شئتم قوله تعالى: ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) النساء 83.
وإن اتفق أن غالب أهل العلم المعاصرين وبخاصة المجامع الفقهية منهم، على حكم مسألة ما أو نازلة من النوازل، فذلك حكمه كحكم إجماع الأمة، وفي هذا بيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن أمته لا تجتمع على ضلالة.
و في ذلك (أخرج الترمذي في جامعه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (إن الله لا يجمع أمتي-أو قال:أمة محمد صلى الله عليه وسلم -على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار) رقم الحديث 2167، وللحديث شواهد عند الحاكم (1/115-116) و عند ابن أبي عاصم في كتابه السنة(85,84,83,82,80) وذكره ابن ماجة في سننه من حديث أنس رضي الله عنه (3950) وذكره السيوطي في الجامع الصغير (1818)وقال حديث حسن وصححه الشيخ الألباني في الجامع الصغير (1844).
فمَن لم يقبل بذلك فقد عرض نفسه للشذوذ بها إلى النار كما ورد في الحديث النبوي الشريف، ومن السفه والخَطل بل والخطر، في مثل هذه المسائل الدقيقة والعظيمة، أن يُفَضِلَ أحد ما، أخذ الفتوى الشرعية من أفراد أهل العلم بدلاً من مجاميعهم، فلنحذر كل الحذر من فعل ذلك، ومن المؤسف والمحزن، أن الكثير من المتأثرين بالفكر الجهادي اليوم يأخذون فتاويهم في هذه النوازل، ممن هم بعيدي كل البعد عن التخصص الشرعي في استنباط الفتاوى والأحكام.
من هنا نقول، بأن الفتوى مهما بدا فيها من قوة الدليل عند غير أهل التخصص، فلا يحل الأخذ بها، فلمجازفة في دمائكم ودماء الآخرين أمر بالغ الخطورة، ولم نعلم عالماً واحداً معتبراً عند أهل العلم أفتى بجواز ما تقومون به، فضلاً عن مجمع من المجامع الفقهية المنتشرة في طول بلاد المسلمين وعرضها.
فالسؤال المطروح إذاً، من أين لكم صحة ما تقومون به!!؟ ومن هم أهل العلم والتخصص الذين أخذتم عنهم فتواكم!!؟ سؤالٌ يجب عليكم إعادة النظر فيه، لما في إزهاق الأرواح من حُرمة شديدة، ولما ورد أعلاه من استدلالات هامة تستحق التأمل والله أعلم.
النصيحة الثانية:
للحكام والملوك
ونخص بالذكر في نصيحتنا الثانية حكام وملوك البلدان التي تحدُث فيها مثل هذه التفجيرات وأعمال العنف والثورات السلمية.
وبغض النظر عمن يقف خلف أعمال العنف هذه والتفجيرات، وبالأخص والأقرب منها إلينا، تلك التي وقعت في مُراكش وستوكهولم، أو كالتي تقع في الثوارات والإنتفاضات السلمية في البلاد العربية، فبالرغم من أننا لا نستبعد فرضية وقوف منظمات إرهابية وراء هذه الأعمال، إلا أننا وفي ذات الوقت، نلفت النظر إلى أن عصرنا هذا، غدا عصر منفتح للغاية، إعلامياً كان أو تكنولوجياً، فلم يعُد يُجدي نفعاً الالتفاف على ذكاء أهل هذا العصر، أو الاستخفاف بعقولهم، ولا الاستهتار بشجاعتهم وتضحيتهم.
فلقد تقارب الزمان، وضاق المكان، بحيث أصبح من السهل جداً على الشعوب طرح فرضيات أخرى لتبنيها، كما أصبح من السهل عليها أيضاً إيصال ما تتبناه، من مطالب، وحقوق، وفرضيات، إلى جميع العالم في حينه ووقته. ومن بين تلك الفرضيات، أن حكام وملوك هذه البلاد وبأجهزتها الأمنية وبمخابراتها، ولأجندات عندها داخلية كانت أو خارجية، يُمكنها أن تكون هي من يقف وراء تلك التفجيرات وأعمال العنف، أو هي على الأقل من سهلت أو غضت الطرف عن مرتكبيها.
و هذه الفرضية قد لا تكون بعيدة عن تفجير ستوكهولم، لأجندات من بينها، تصعيد الشعور لدى الشعب السويدي، بما يسمى بالإسلام فوبيا ( أي الخوف من الإسلام )، فبذلك تتحقق للعُنصريين مصلحة كبيرة، بحسب تصوراتهم.
ومثل هذه الفرضيات مع اختلافٍ في الأجندات، يمكن وبسهولة للشعب المغربي، تصورها في التفجير الأخير بمُراكش، لأن الشعب، يعلم بأن للحكام هناك العديد من الأجندات، ما يجعل مثل هذه الفرضية ممكنة الحدوث، وذلك في ظل ما هو حاصل في المغرب، من حراك شعبي سلمي غير مسبوق، قد بدأت به ودعت إليه حركة 20 فبراير، مما جعل الملك يستلهم أهمية وجدية هذا التحرك من شعوب أخرى، قد وفِقَت في إزالة عروش ضخمة وقوية في المنطقة، فخرج على إثرها ليُعلن لشعبه حزمة من الإصلاحات الغير مسبوقة، إلا أنها وللأسف لم يرى شعبه منها حتى الآن سوى القشور فقط.
لهذا لا يزال الشعب ينزل إلى الشوارع، في اتساع لتلك الدائرة يوماً بعد يوم، وفي هذا التوقيت وفي ظل هذا الحراك المُطَّرِد، يقع انفجار مُراكش، لتكون فرضية افتعال التفجير من قبل حكام المغرب، لها ما يبررها، وما فضيحة نظام مصر البائد في تفجير كنيسة الإسكندرية عنا ببعيد.
ولكننا وبالرغم من إمكانيات حدوث هذه الفرضيات، وبعيداً عن توجيه الاتهامات، ننصح الحكام والملوك بالقول، بأن كائناً من كان وراء أعمال العنف والتفجيرات تلك، نرى في ذلك وفي غيره من مطالب الشعوب الثائرة، ما يدل ويؤكد على الحاجة الماسة للتغيير الجذري.
ومن باب تنوع الفرضيات نقول، وما يُدرينا، أن الذي يقف وراء أعمال العنف هذه والتفجيرات، هم من عامة الناس المظلومين، بسبب فقدان العدل بحقهم، والمَقموعين، أو المحرومين من مقدرات بلادهم، والمُهَمَشين، أو المقهورين بسبب إذلالهم وإهدار كرامتهم، والمسحوقين، ومثل هذه الفرضية لا يمكننا أبداً استبعادها من قاموسنا، فهذه الفئات من الشعوب، هي الغالبية العظمة في بلداننا.
إذاً كيفما اتجهنا نجد أن الحاجة للتغيير الصادق والفعلي، وبدون تأخير أو مماطلة، أصبحت جِدُ مُلِحة. فمن هنا نؤكد نُصحنا للحكام والملوك، بتنفيذ وتحقيق مطالب شعوبها، فلم يعد من الممكن كما سبق أن ذكرنا، الاستخفاف بعقولها ولا بشجاعتها، أو بإصرارها في المطالبة بحقوقها، كما أصبح جلياً وبادياً للعيان لكم وللعالم أجمع، أن هذه الشعوب لم تعُد تهاب الموت، بل تطلبه في كثير من الأحيان، في سبيل تحصيل مطالبها المحقة والعادلة.
ومن أحق تلك الحقوق عندها، هو قبولِها بكم كحُكامٍ عليهم، أو رفضها لكم، فنصيحتنا إن كانت الأولى التعجيل في تحقيق مطالبها، أما إن كانت الثانية فعليكم بالرحيل عن الحكم، فذلكم أسلم لدنياكم، من أن يجري عليكم ما جرى ولا يزال، على أقرانكم من الحكام، كما أنه أسلم لكم في دينكم، وذلكم في قولٍ سديدٍ وحكيمٍ ورشيدٍ، بل وشديد، هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين خاطب الشعوب مصنفاً حكامها حيث قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم) رواه مسلم.
وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام، في وصفه المسؤولية والإمارة، ما لها وما عليها، فقال: ( وإنها أمانة . وإنها يوم القيامة ، خزي وندامة . إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما من عبد يسترعيه الله تعالى رعية فلم يُحِطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة ). رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ). والله تعالى أعلم.
مواضيع ذات صلة:










